✍️ #مطيع_بامزاحم
تعيش مدن حضرموت اليوم حالةً مقلقة من عودة المظاهر العسكرية إلى الفضاء المدني، في مشهدٍ ظننا أنه قد أصبح من الماضي، فالتجول بالسلاح وسط شوارع المدن، وارتداء الجاكيتات العسكرية من قبل مراهقين وشباب، وإطلاق الأعيرة النارية في المناسبات، باتت مشاهد تتكرر دون ردع صارم، وكأن القانون غائب أو مُعلّق والأجهزة الأمنية والعسكرية عاجزت عن كبح جماح أولئك النفر من الفارغين.
لا يمكن تبرير تلك الممارسات تحت أي مسمى اجتماعي أو قبلي، فالسلاح حين يخرج من إطار الدولة إلى يد المواطن يتحول من وسيلة حماية إلى مصدر تهديد ومن رمز قوة إلى أداة فوضى، وما يحدث اليوم ليس مجرد تجاوزات فردية أو لحظة نشوة أو مراهقة، بل ظاهرة تحمل في طياتها خطرا حقيقيا على أمن المجتمع وسلامته على المدى القريب والبعيد ايضا.
والأمر الأكثر إثارة للقلق، أن هذه السلوكيات تتفشى بين فئة المراهقين، الذين يجدون في المظهر العسكري وسيلة لإثبات الذات في ظل فراغ تربوي وثقافي واضح وفاضح، وغياب للقدوة الحسنة وتراجع لدور المدرسة والإعلام والأسرة والمسجد والشارع، وهنا لا تكمن المشكلة في "الجاكيت العسكري" بحد ذاته أو التفاخر بحمل السلاح والاستعراض به، بل في العقلية التي تروّج لثقافة حمله وتُطبع حضوره في تفاصيل الحياة اليومية.
وما يزيد من حدة التساؤلات، أن حضرموت سيما المديريات الساحلية منها سبق وأن تجاوزت هذه المرحلة، فقد شهدت مدينة المكلا ومدن الساحل الحضرمي خلال السنوات التي تولّت فيها قوات النخبة الحضرمية مهام الأمن، حالة استقرار ملحوظة اختفت معها مظاهر السلاح وتوقفت إلى حدٍ كبير ظاهرة إطلاق النار في المناسبات ومع الحزم والعزم أصبح الشارع منضبطا والقانون حاضرا وهيبة الدولة ملموسة.
وعلينا أن ندرك جميعا سيما في هذه المرحلة الحساسة، أن استمرار إطلاق النار في الأعراس وعقود النكاح ومراسيم الاستقبال وغيرها لهي جريمة مكتملة الأركان، لا "عادة اجتماعية" وليست من ثقافة أهل المدن والمناطق الحضرية، بل هي ممارسات في غير مكانها ووقتها وقد تتسبب في إزهاق أرواح لأبرياء وسببا مباشرا في إدخال الرعب إلى بيوت آمنة ومطمئنة، في مقابل دقائق من الاستعراض والهنجمة التي لا جدوى منها ولافائدة.
ومن هنا نقول، إن المسؤولية تقع أولا على عاتق الجهات الرسمية في الجيش والأمن وعلى رأسها قوات درع الوطن وأجهزة الشرطة، والتي يفترض بها أن تتحرك بسرعة وحزم وتمنع حمل السلاح داخل المدن وتُجرّم إطلاق النار في المناسبات وتعجل في تكثيف الحملات ومصادرة الأسلحة ومنع ارتداء الزي العسكري لغير منتسبي المؤسسات النظامية، فالقانون لن تكون له قيمة إن لم يُطبّق، ولا هيبة للدولة إن تساهلت مع فوضى المظاهر العسكرية وتركتها حتى تتفاقم وتتمكن.
لكن في المقابل، علينا كمجتمع مساعدة الأجهزة الأمنية والعسكرية في القضاء على هذه الظواهر المشينة، فلا يمكن إعفاء المجتمع من مسؤوليته اطلاقا، فالتغاضي أو الصمت أو المجاملة الاجتماعية، كلها تُسهم في تكريس المشكلة، كما أن على الآباء وخطباء المساجد والمعلمين والإعلاميين والناشطين دورا أخلاقيا في إعادة تعريف مفاهيم الرجولة والفرح، ونزع القداسة عن السلاح وترسيخ ثقافة الحياة لا ثقافة الرصاص، ونجدها فرصة لنثمن الحملة الإعلامية والتوعوية التي نفذتها قوات درع الوطن في بعض مدن حضرموت الكبرى وهي خطوة في الاتجاه الصحيح، غير أنها تحتاج بشدة إلى تنفيذ خطة عملية لمنع ادخال الأسلحة إلى المدن عبر نقاط التفتيش في المداخل الرئيسية، وحملة أخرى ميدانية تنفذ في الداخل وتؤدب كل من لازال مُصرا على حمل السلاح والاستعراض به فضلا عن استخدامه.
ولا يليق بحضرموت التي عُرفت تاريخيّا بالعلم والتجارة والفن والمدنية والسلم الاجتماعي أن تُدار بعقلية السلاح المنفلت، وما لم يتم التعامل مع هذه الظواهر بجدية اليوم، فإن كلفتها غدا ستكون أعلى وليست أمنية فقط بل اجتماعية ونفسية، خصوصا ونحن الآن على أعتاب دخول شهر رمضان المبارك وعلى مقربة من موسم الأعياد والأعراس التي تليه مباشرة وبعد مضي أكثر من شهر على تجاوز الأحداث التي شهدتها حضرموت مؤخرا، فإنه ومن حق كل مواطن أن يسأل الجهات المعنية في السلطة والجيش والأمن ويقول لهم، كم من الوقت يلزمكم لتمنعوا حمل السلاح؟ ومتى سيتم الخلاص من المظاهر العسكرية الفوضوية في المدن؟ وعليهم أن يجيبوا سريعا وينفذوا فورا قبل أن يفلت الأمر من بين أيديهم وايدينا فنغدوا جميعا ضحايا لفوضى السلاح وعبث حامليه.
#حضرموت #المكلا #سيئون
#معاً_لمنع_حمل_السلاح_في_حضرموت